الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
392
نفحات الولاية
من كلام في أنّ هذا الاختلاف انّما ينبع من أفكارهم القاصرة وعجزهم العلمي ، وبعبارة أخرى فانّ هذه العبارات إجابة ورد على مسألة التصويب التي تعرض لها الإمام عليه السلام بصورة مفصلة لاحقاً . والواقع هو أنّ الاعتقاد بالتصويب وصحة الآراء المتناقضة إنّما هو انحراف عن أصل التوحيد ونزوع نحو نوع من الشرك . فالتوحيد الإلهي يعني أنّ اللَّه واحد ، وتوحيد النبوة يرى أنّ نبوة اولي العزم واحدة في كل عصر ، وتوحيد الشريعة في أن الكتاب السماوي واحد . وعليه فالميل نحو تعدد الأحكام الواقعية ليس سوى الشرك الذي يتقاطع صراحة وأصل التوحيد . تأمّلات 1 - مسألة التصويب ونشأتها تعتبر هذه المسألة من أهم المسائل الإسلامية ذات الصلة الحميمة بمسألة « الاجتهاد » و « الرأي » و « القياس » و « الاستحسان » وما إلى ذلك ، كما ترتبط بالأحداث السياسية والتأريخية التي أعقبت وفاة النبي صلى الله عليه وآله . وإليك شرحها باختصار بعيداً عن الإطالة والخروج عن أسلوب البحث : 1 - أنّ عصر الرسالة كان مفعماً بالأحداث المعقدة الاجتماعية والسياسية والعسكرية بحيث لم تدع للمسلمين من مجال للوقوف على كافة الأحكام ، وإن بينت أصولها الأساسية في القرآن . 2 - لقد اتسعت رقعة الدولة الإسلامية بعد النبي صلى الله عليه وآله بحيث كانت تظهر مسائل جديدة كل يوم في الأحكام الفقهية الإسلامية حتى رأى المسلمون أنفسهم أمام كم هائل من المسائل المستحدثة ولم يروا أجوبتها في الأحاديث النبوية الشريفة . أضف إلى ذلك منع بعض الخلفاء ( عمر ) الصحابة من تدوين السنّة « 1 » مخافة أن تختلط
--> ( 1 ) المرحوم العلّامة الأميني ذكر في المجلد السادس من الغدير الأدلة على هذه المسألة من أهم مصادر العامة من قبيل سنن ابن ماجة وسنن الدارمي ومستدرك الحاكم في تذكرة الحفاظ وكنز العمال وغيرها تحت عنوان « نهي الخليفة عن الحديث » وبيّن كيف ان عمر نهى عن تدوين أحاديث رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وهدد بالحبس والنفي كل من رواها .